صفي الرحمان مباركفوري
115
الرحيق المختوم
لك ، وما ردوا عليك . وقد بعث اللّه إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم . فناداني ملك الجبال ، فسلم عليّ ، ثم قال : يا محمد ، ذلك ، فما شئت ، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين » - أي لفعلت ، والأخشبان : هما جبلا مكة ، أبو قبيس والذي يقابله وهو قيعقعان - ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « بل أرجو أن يخرج اللّه عز وجل من أصلابهم من يعبد اللّه عز وجل وحده لا يشرك به شيئا » « 1 » . وفي هذا الجواب الذي أدلى به الرسول صلى اللّه عليه وسلم تتجلى شخصيته الفذة ، وما كان عليه من الخلق العظيم الذي لا يدرك غوره . وأفاق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، واطمأن قلبه لأجل هذا النصر الغيبي الذي أمده اللّه عليه من فوق سبع سماوات ، ثم تقدم في طريق مكة حتى بلغ وادي نخلة ، وأقام فيه أياما . وفي وادي نخلة موضعان يصلحان للإقامة - السيل الكبير والزيمة - لما بهما من الماء والخصب ، ولم نقف على مصدر يعين موضع إقامته صلى اللّه عليه وسلم فيه . وخلال إقامته هناك بعث اللّه إليه نفرا من الجن ، ذكرهم اللّه في موضعين من القرآن ، في سورة الأحقاف : وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا : أَنْصِتُوا ، فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ . قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ . يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [ الأحقاف : 29 ، 30 ، 31 ] . وفي سورة الجن : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا : إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً . يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ، وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً إلى تمام الآية الخامسة عشرة . ومن سياق هذه الآيات - وكذا من سياق الروايات التي وردت في تفسير هذا الحادث - يتبين أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يعرف بحضور ذلك النفر من الجن ، وإنما علم ذلك حين أطلعه اللّه عليه بهذه الآيات ، وأن حضورهم هذا كان لأول مرة ، ويقتضي سياق الروايات أنهم وفدوا بعد ذلك مرارا . وحقا كان هذا الحادث نصرا آخر أمده اللّه من كنوز غيبه المكنون بجنوده التي لا يعلمها إلا هو ، ثم إن الآيات التي نزلت بصدد هذا الحادث كانت في طيها بشارات بنجاح
--> ( 1 ) صحيح البخاري . كتاب بدء الخلق 1 / 458 ، مسلم . باب ما لقي النبي صلى اللّه عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين 2 / 109 .